آخر الأخبارالرئيسيةفن وثقافة

«البحر البعيد» في القاعات المغربية

فيلم روائي طويل للمخرج سعيد حميش بن العربي

استقبلت الساحة السينمائية المغربية فيلم «البحر البعيد» (2025) للمخرج سعيد حميش، الذي يُعدّ ثاني أفلامه الطويلة بعد «العودة إلى بولين» (2018). ويستند العمل إلى تجربة ذاتية عاشها المخرج في طفولته، حين غادر المغرب للالتحاق بوالده في جنوب فرنسا والعمل في حقول الكروم، وهي تجربة مبكرة من الاغتراب تركت بصمتها العميقة على رؤيته الفنية، وانعكست في معالجة إنسانية هادئة ومشحونة بالذاكرة.

يروي الفيلم حكاية شاب مغربي يُدعى نور، يشدّ الرحال إلى مدينة مرسيليا بحثاً عن أفق أفضل. غير أن الهجرة لا تُقدَّم هنا كحدث عابر أو دافع وحيد للسرد، بل كمسار زمني يعيد ترتيب المصائر، ويجمع مجموعة من الأصدقاء الذين تتقاطع طرقهم ثم تتباعد؛ منهم من يرحل، ومنهم من يختفي، وآخرون يجدون أنفسهم في زيجات بلا حب، هدفها الوحيد الحصول على أوراق الإقامة.

تتمحور السردية حول شخصية نور، العالق بين رغبته في الاندماج داخل ثقافة جديدة، وحنينه المستمر إلى جذوره الأولى، ما يضعه في صراع داخلي دائم بين الماضي والحاضر. وإلى جانبه، يرسم الفيلم شخصيات أخرى مثل فاضلة، حسين، وخالد، ليكشف من خلالها وجوهاً متعددة لتجربة المنفى، تتراوح بين الأحلام المؤجلة، والتنازلات القاسية من أجل البقاء، وصولاً إلى الانكسار أمام واقع لا يرحم.

وتحتل الموسيقى مكانة خاصة في العمل، إذ يستمع نور وحسين إلى أغنية نصرو الحزينة «نديرك أمور صافي بليزير»، في لحظة تختصر إحساس الضياع الذي يعيشه الصديقان. وتخلق هذه المقاطع، المستمدة من تراث الراي، توازناً دقيقاً بين الحزن والبهجة، معبرة عن توتر داخلي معقد يرافق تجربة الاغتراب.

كما تتخلل الفيلم مقطوعات أخرى للفنان بلمو مسعود، تمزج بين الإيقاعات الشعبية والآلات الغربية، في تجسيد رمزي لانتقال موسيقى الراي من فضائها الأصلي إلى فضاء الهجرة، حيث تصبح الموسيقى لغة مشتركة للتعبير عن الذاكرة والهوية والكفاح اليومي من أجل الانتماء.

ويستحضر الفيلم، بشكل عابر، حادث اغتيال الفنان حسني، باعتباره رمزاً لجيل التسعينيات وذاكرة جماعية تركت أثرها في وجدان الشخصيات. ورغم حضوره الخافت عبر نشرة إخبارية، إلا أن هذا التلميح يعكس كيفية تسلل الذكريات المؤلمة إلى الحياة اليومية، دون أن تفقد قدرتها على التأثير العميق.

ومن خلال هذه المسارات المتقاطعة، يعالج «البحر البعيد» الغربة بوصفها قدراً مشتركاً لدى المغاربة، وجرحاً جماعياً يتوارثه جيل بعد آخر، حيث تتكرر الخيبات وتتراكم الأحلام المؤجلة. وينجح سعيد حميش في تحويل قصص فردية محدودة إلى حكاية إنسانية واسعة عن الضياع والأمل المفقود، وعن صداقات تتآكل تحت وطأة الزمن والمسافات والحدود.

في النهاية، يرسم الفيلم علاقة معقدة بين الصداقة والهوية والمنفى، كاشفاً عن صراع الإنسان في بحثه الدائم عن المعنى وسط الاغتراب. وبهذا، يتحول «البحر البعيد» إلى مرآة لبطولات صغيرة تولد من تفاصيل الحياة اليومية، مؤكداً أن الذاكرة والصداقة تظلان حاضرتين، حتى في أكثر لحظات الألم والفراغ.

الإعلان التــرويــجي لفيلم “البــحر البعيـــد” :

https://www.youtube.com/watch?v=jWb5ezZKhHI

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى